|
الغضب
جاء في صحيح البخاري حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي
صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَوْصِنِي قَالَ لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ لَا تَغْضَبْ)، ويقول صلى الله عليه وسلم (علموا
ويسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت) (حديث صحيح في سلسلة الأحاديث
الصحيحة المجلد الثالث – رقم 1375)، هذا
وقد أخرج الشيخان عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا يقضي القاضي وهو غضبان)،
كما وجاء في صحيح البخاري (أن أبا ذر وبلالا الحبشي تغاضبا وتسابا وفي ثورة الغضب
قال أبو ذر لبلال: يا ابن السوداء فشكاه بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
فقال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: أعيرته بأمه، إنك امرؤ فيك جاهلية)، وأخرج أبو داود في صحيحة عن
صفية بنت شيبة قالت حدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) (حديث حسن). قال أبو داود الغلاق أظنه في الغضب وفسره بعضهم
بالاكراه وقالوا : كأن المكره اغلق عليه الباب حتى يفعل . وورد بلفظ اغلاق.
وجاء في سلسلة الأحاديث الصحيحة 2 (إياكن وكفر المنعمين! فقلت: يا رسول الله! وما كفر المنعمين؟ قال:
لعل إحداكن تطول أيمتها من أبويها، ثم يرزقها الله زوجا، ويرزقها منه ولدا،
فتغضب الغضبة فتكفر فتقول: ما رأيت منك خيرا قط). (حديث صحيح).
وجاء في السلسلة الصحيحة 4 (ثلاث
مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه. وثلاث منجيات:
خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا) (حديث حسن).
الغضب لله ولإنتهاك حرماته سبحانه وتعالى
ليس معنى هذا عدم الغضب تماماً بل عدم التمادي فيه،
فالمسلم يغضب اذا انتهكت حرمات الله، فسيدنا محمد وهو أشرف الخلق كان يغضب، جاء
في صحيح الجامع الصغير (لقد علمت أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم خطب فقال أيما رجل من أمتي سببته سبة أو لعنته
لعنة في غضبي فإنما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون وإنما بعثني رحمة للعالمين
فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة)،
ولكن غضبه صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يكون لله ولحرمات الله، وقد جاء في
السلسلة الصحيحة 5 (كان إذا بلغه عن الرجل شيء
لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟!].
(صحيح ). وأخرج مسلم وأحمد بلفظ: (رخص رسول الله
صلى الله عليه وسلم في أمر، فتنزه عنه ناس من الناس، فبلغ ذلك النبي صلى الله
عليه وسلم، فغضب حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: ما بال أقوام يرغبون عما رخص
لي فيه؟! فوالله لأنا أعلمهم بالله، وأشدهم له خشية)، وجاء في السلسلة الصحيحة 6 (أما إن كل بناءٍ وبالٌ على
صاحبه ، إلا ما لا، إلا ما لا) يعني: (ما لا بد منه). عن
أبي طلحة الأسدي عن أنس قال: (أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم خرج، فرأى قبة
مشرفة، فقال: ما هذه ؟!، قال له أصحابه: هذه لفلان، رجل من
الأنصار، قال :فسكت وحملها في نفسه، حتى إذا جاء صاحبُها رسولَ الله صلى
الله عليه وسلم يسلم عليه في الناس؛ أعرض عنه، صنع ذلك مرارا، حتى عرف الرجل
الغضب فيه والإعراض عنه فشكا ذلك إلى أصحابه، فقال:
والله إني لأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالوا: خرج فرأى قبتك، قال: فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى
سواها بالأرض، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فلم يرها، قال:
ما فعلت القبة؟ قالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها، فقال:
فذكره). أخرجه أبو داود وغيره
وإسناده جيد. وأخرجه أحمد عن أنس به مختصرا بلفظ: (هد على صاحبه
يوم القيامة، إلا ما كان في مسجد أو في بناء مسجد) وفي رواية (ثم مر فلم يلقها،
فقال: ما فعلت القبة؟ قلت: بلغ صاحبها ما قلت،
فهدمها، فقال: رحمه الله). (حديث صحيح).
الغضب لحرمات الله مقبول عند الله
فقد جاء في صحيح سنن أبي داود
عن عبد الله بن عمرو قال (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه
وسلم أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه
وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله
عليه وسلم فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق) (حديث صحيح)، وقد جاء في السلسلة الصحيحة 6 حديث من مسند أحمد، عن حنظلة بن حذيم أن جده حنيفة قال لحذيم: اجمع بني فإني
أريد أن أوصي، فجمعهم، فقال: إن أول ما أوصي أن ليتيمي هذا الذي
في حجري مائة من الإبل التي كنا نسميها في الجاهلية (المطيبة). فقال حذيم، يا
أبي إني سمعت بنيك يقولون: إنما نُقِرُ بهذا عند أبينا، فإذا مات رجعنا فيه!
قال: فبيني وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال حذيم: رضينا. فارتفع حذيم وحنيفة
وحنظلة معهم غلام، وهو رديف لحذيم، فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم سلموا
عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما رفعك يا أبا حذيم؟ قال: هذ، وضرب
بيده على فخذ حذيم؛ فقال: إني خشيت أن يفجأني الكبر أو الموت، فأردت ان أوصي
أن ليتيمي هذا الذي في حجري مائة من الإبل كنا نسميها في الجاهلية (المطيبة)،
فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأينا الغضب في وجهه، وكان قاعدا فجثا على
ركبتيه وقال: (لا، لا، لا، الصدقة خمس،
وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا
فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون،
فإن كثرت فأربعون) قال: فودعوه، ومع اليتيم عصا، وهو يضرب جملا، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم عظمت! هذه هراوة يتيم!. قال حنظلة: فدنا أبي إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي بنين ذوي لحى ودون ذلك، وإن ذا أصغرهم فادع
الله له، فمسح رأسه وقال: بارك الله فيك، أو بورك فيك. قال ذيال: فلقد رأيت
حنظلة يؤتى بالإنسان الوارم وجهه، أو البهيمة الوارمة الضرع فيتفل على يديه ويقول:
بسم الله، ويضع يده على رأسه، ويقول: على موضع كف رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيمسحه عليه. قال ذيال : فيذهب الورم).
(صحيح).
كيف نتجنب الغضب
تجنب الغضب يحتاج الى ضبط النفس مع ايمان قوي بالله ويمتدح
الرسول صلى الله عليه سلم هذا السلوك في حديثه. ليس الشديد بالصرعة وانما الشديد
الذي يملك نفسه عند الغضب، فقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (ما تعدون الصرعة فيكم
قالوا الذي لا يصرعه الرجال قال لا ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب)، وقد جاء في صحيح أبي داود (عن أبي ذر قال إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال لنا إذا غضب أحدكم وهو قائم
فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع).
الغضب من
الناحية العلمية
يصور
القرآن الكريم الغضب كقوة شيطانية تقهر الانسان وتدفعه الى أفعال ما كان يأتيها
لو لم يكن غاضبا فسيدنا موسى ألقى الالواح وأخذ برأس أخية يجره إليه، ولما ذهب
عنه الغضب، ولما سكت عن موسى الغضب اخذ الالواح، وكأن الغضب وسواس قرع فكر موسى
ليلقي الالواح.
وقد ثبت
علميا أن الغضب كصورة من صور الانفعال النفسى يؤثر على قلب الشخص الذي يغضب
تأثير العدو أو الجري على القلب وانفعال الغضب يزيد من عدد مرات انقباضاته في
الدقيقة الواحدة فيضاعف بذلك كمية الدماء التي يدفعها القلب أو التي تخرج منه
إلى الأوعية الدموية مع كل واحدة من هذه الانقباضات أو النبضات وهذا بالتالي
يجهد القلب لأنه يقسره على زيادة عمله عن معدلات العمل الذي يفترض أن يؤديه بصفة
عادية أو ظروف معينة. إلا أن العدو أو الجري في إجهاده للقلب لا يستمر طويلا لأن
المرء يمكن أن يتوقف عن الجري إن هو أراد ذلك إما في الغضب فلا يستطيع الإنسان
أن يسيطر على غضبه لا سيما وإن كان قد اعتاد على عدم التحكم في مشاعره، وقد لوحظ
أن الإنسان الذي اعتاد على الغضب يصاب بارتفاع ضغط الدم ويزيد عن معدله الطبيعى
حيث إن قلبه يضطر إلى أن يدفع كمية من الدماء الزائدة عن المعتاد، كما أن
شرايينه الدقيقة تتصلب جدرانها وتفقد مرونتها وقدرتها على الاتساع لكي تستطيع أن
تمرر أو تسمح بمرور أو سريان تلك الكمية من الدماء الزائدة التي يضخها هذا القلب
المنفعل ولهذا يرتفع الضغط عند الغضب هذا بخلاف الآثار النفسية والاجتماعية التي
تنجم عن الغضب في العلاقات بين الناس والتي تقوّض من الترابط بين الناس.
ومما هو
جدير بالذكر أن العلماء كانوا يعتقدون في الماضي أن الغضب الصريح ليس له أضرار
وأن الغضب المكبوت فقط هو المسؤول عن كثير من الأمراض ولكن الدراسات الحديثة
قدمت تفسيراً جديداً لتأثير هذين النوعين من الغضب مؤداه أن الكبت أو التعبير
الصريح للغضب يؤديان إلى الأضرار الصحية نفسها وإن اختلفت حدتها، ففي حالة الكبت
قد يصل الأمر عند التكرار إلى الإصابة بارتفاع ضغط الدم وأحيانا إلى الإصابة
بالسرطان أما في حالة الغضب الصريح وتكراره فإنه يمكن أن يؤدى إلى الإضرار
بشرايين القلب واحتمال الإصابة بأزمات قلبية قاتلة لأن انفجار موجات الغضب قد
يزيده اشتعالا ويصبح من الصعب التحكم في الانفعال مهما كان ضئيلا فالحالة
الجسمانية للفرد لا تنفصل عن حالته النفسية مما يجعله يسري بسرعة إلى الأعضاء
الحيوية في إفراز عصاراتها ووصول معدل إفراز إحدى هذه الغدد إلى حد سدّ الطريق
أمام جهاز المناعة في الجسم وإعاقة حركة الأجسام المضادة المنطلقة من هذا الجهاز
عن الوصول إلى أهدافها.
الأخطر
من ذلك كله أن بعض الأسلحة الفعالة التي يستخدمها الجسم للدفاع عن نفسه
والمنطلقة من غدة حيوية تتعرض للضعف الشديد نتيجة لإصابة هذه الغدة بالتقلص عند
حدوث أزمات نفسية خطيرة وذلك يفسر احتمالات تحول الخلايا السليمة إلى سرطانية في
غيبة النشاط الطبيعى لجهاز المناعة وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي
أوصانا بعدم الغضب ومن هنا تظهر الحكمة العلمية والعملية في تكرار الرسول صلى
الله عليه وسلم توصيته بعدم الغضب
ويقول
الدكتور أحمد شوقي ابراهيم عضو الجمعية الطبية الملكية بلندن واستشاري الامراض
الباطنية والقلب، أن الميول الانساني ينقسم الى ثلاثة أقسام، ويختلف سلوك
وتصرفات الاشخاص باختلاف هذه الميول ومدى السيطرة عليها:-
·
الميول
الشهوانية وتؤدي الى الثورة والغضب.
·
الميول
التسلطية وتؤدي الى الكبر والغطرسة وحب الرياسة
·
الميول
الشيطانية وتسبب الكراهية والبغضاء للاخرين.
ومهما
كانت ميول الانسان فانه يتعرض للغضب فيتحفز الجسم ويرتفع ضغط الدم فيصاب بالامراض
النفسية والبدنية مثل السكر والذبحة الصدرية، وقد أكدت الابحاث العلمية أن الغضب
وتكراره يقلل من عمر الانسان، ولا يكون تجنب الغضب بتناول المهدئات لان تأثيرها
يأتي بتكرار تناولها ولا يستطيع متعاطي المهدئات ان يتخلص منها بسهولة ولان
الغضب يغير السلوك فإن العلاج يكون بتغيير سلوك الانسان في مواجهة المشكلات
اليومية فيتحول غضب الانسان الى هدوء واتزان.... ويضيف الدكتور أحمد شوقي.. أن
الطب النفسي توصل الى طريقتين لعلاج المريض الغاضب.. الاولى: من خلال تقليل
الحساسية الانفعالية وذلك بتدريب المريض تحت أشراف طبيب على ممارسة الاسترخاء مع
مواجهة نفس المواقف الصعبة فيتدرب على مواجهتها بدون غضب أو انفعال.. الثانية:
من خلال الاسترخاء النفسي والعضلي وذلك بأن يطلب الطبيب من المريض أن يتذكر
المواقف الصعبة واذا كان واقفا فليجلس أو يضطجع ليعطيه فرصة للتروي والهدوء..
هذا العلاج لم يتوصل اليه الطب الا في السنوات القليلة الماضية بينما علمه
الرسول صلى الله عليه وسلم لاصحابه في حديثه.. اذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس
فاذا ذهب عنه الغضب أو فليضطجع.
بعض ما جاء حول حديث لا تغضب في فتح الباري في شرح صحيح البخاري
جاء في صحيح البخاري حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ
أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي
صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصِنِي قَالَ لَا تَغْضَبْ فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ لَا
تَغْضَبْ)، ومما جاء في فتح الباري في تفسير صحيح
البخاري:-
· وَزَادَ أَحْمَد وَابْن حِبَّان فِي رِوَايَة عَنْ رَجُل لَمْ
يُسَمَّ قَالَ "تَفَكَّرْت فِيمَا قَالَ فَإِذَا الْغَضَب يَجْمَع الشَّرّ
كُلّه".
· قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى قَوْله "لَا تَغْضَب"
اِجْتَنِبْ أَسْبَاب الْغَضَب وَلَا تَتَعَرَّض لِمَا يَجْلِبهُ. وَأَمَّا نَفْس
الْغَضَب فَلَا يَتَأَتَّى النَّهْي عَنْهُ لِأَنَّهُ أَمْر طَبِيعِيّ لَا
يَزُول مِنْ الْجِبِلَّة.
· وَقَالَ غَيْره: مَا كَانَ مِنْ قَبِيل الطَّبْع الْحَيَوَانِيّ
لَا يُمْكِن دَفْعه، فَلَا يَدْخُل فِي النَّهْي لِأَنَّهُ مِنْ تَكْلِيف
الْمُحَال، وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيل مَا يُكْتَسَب بِالرِّيَاضَةِ فَهُوَ
الْمُرَاد.
· وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَغْضَب لِأَنَّ أَعْظَم مَا يَنْشَأ عَنْهُ
الْغَضَب الْكِبْر لِكَوْنِهِ يَقَع عِنْدَ مُخَالَفَة أَمْر يُرِيدهُ
فَيَحْمِلهُ الْكِبْر عَلَى الْغَضَب، فَاَلَّذِي يَتَوَاضَع حَتَّى يَذْهَب
عَنْهُ عِزَّة النَّفْس يَسْلَم مِنْ شَرّ الْغَضَب
· وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تَفْعَل مَا يَأْمُرك بِهِ الْغَضَب.
· وَقَالَ اِبْن بَطَّال: فِي الْحَدِيث الْأَوَّل أَنَّ
مُجَاهَدَة النَّفْس أَشَدُّ مِنْ مُجَاهَدَة الْعَدُوّ، لِأَنَّهُ صَلَّى
اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الَّذِي يَمْلِك نَفْسه عِنْدَ الْغَضَب
أَعْظَم النَّاس قُوَّة.
· وَقَالَ غَيْره: لَعَلَّ السَّائِل كَانَ غَضُوبًا، وَكَانَ
النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُر كُلّ أَحَد بِمَا هُوَ
أَوْلَى بِهِ، فَلِهَذَا اِقْتَصَرَ فِي وَصِيَّته لَهُ عَلَى تَرْك الْغَضَب.
· وَقَالَ اِبْن التِّين: جَمَعَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فِي قَوْله "لَا تَغْضَب" خَيْر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لِأَنَّ
الْغَضَب يَئُولُ إِلَى التَّقَاطُع وَمَنْع الرِّفْق، وَرُبَّمَا آلَ إِلَى
أَنْ يُؤْذِي الْمَغْضُوب عَلَيْهِ فَيُنْتَقَص ذَلِكَ مِنْ الدِّين.
· وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: لَعَلَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيع
الْمَفَاسِد الَّتِي تَعْرِض لِلْإِنْسَانِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ شَهْوَته وَمِنْ
غَضَبه، وَكَانَتْ شَهْوَة السَّائِل مَكْسُورَة فَلَمَّا سَأَلَ عَمَّا
يَحْتَرِز بِهِ عَنْ الْقَبَائِح نَهَاهُ عَنْ الْغَضَب الَّذِي هُوَ أَعْظَم
ضَرَرًا مِنْ غَيْره، وَأَنَّهُ إِذَا مَلَكَ نَفْسه عِنْدَ حُصُوله كَانَ قَدْ
قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ.
· وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ بَاب التَّنْبِيه بِالْأَعْلَى
عَلَى الْأَدْنَى، لِأَنَّ أَعْدَى عَدُوّ لِلشَّخْصِ شَيْطَانه وَنَفْسه،
وَالْغَضَب إِنَّمَا يَنْشَأ عَنْهُمَا، فَمَنْ جَاهَدَهُمَا حَتَّى
يَغْلِبهُمَا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ شِدَّة الْمُعَالَجَة كَانَ لِقَهْرِ
نَفْسه عَنْ الشَّهْوَة أَيْضًا أَقْوَى.
· وَقَالَ اِبْن حِبَّان بَعْد أَنْ أَخْرَجَهُ: أَرَادَ لَا
تَعْمَل بَعْد الْغَضَب شَيْئًا مِمَّا نَهَيْت عَنْهُ، لَا أَنَّهُ نَهَاهُ
عَنْ شَيْء جُبِلَ عَلَيْهِ وَلَا حِيلَة لَهُ فِي دَفْعه.
· " وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: خَلَقَ اللَّه الْغَضَب مِنْ النَّار
وَجَعَلَهُ غَرِيزَة فِي الْإِنْسَان، فَمَهْمَا قَصَدَ أَوْ نُوزِعَ فِي غَرَض
مَا اِشْتَعَلَتْ نَار الْغَضَب وَثَارَتْ حَتَّى يَحْمَرّ الْوَجْه
وَالْعَيْنَانِ مِنْ الدَّم، لِأَنَّ الْبَشَرَة تَحْكِي لَوْن مَا وَرَاءَهَا،
وَهَذَا إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ دُونه وَاسْتَشْعَرَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فَوْقه تَوَلَّدَ مِنْهُ اِنْقِبَاض الدَّم مِنْ ظَاهِر
الْجِلْد إِلَى جَوْف الْقَلْب فَيَصْفَرّ اللَّوْن حُزْنًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى
النَّظِير تَرَدَّدَ الدَّم بَيْنَ اِنْقِبَاض وَانْبِسَاط فَيَحْمَرّ
وَيَصْفَرّ وَيَتَرَتَّب عَلَى الْغَضَب تَغَيُّر الظَّاهِر وَالْبَاطِن
كَتَغَيُّرِ اللَّوْن وَالرِّعْدَة فِي الْأَطْرَاف وَخُرُوج الْأَفْعَال عَنْ
غَيْر تَرْتِيب وَاسْتِحَالَة الْخِلْقَة حَتَّى لَوْ رَأَى الْغَضْبَان نَفْسه
فِي حَال غَضَبه لَكَانَ غَضَبه حَيَاء مِنْ قُبْح صُورَته وَاسْتِحَالَة
خِلْقَته، هَذَا كُلّه فِي الظَّاهِر، وَأَمَّا الْبَاطِن فَقُبْحه أَشَدُّ مِنْ
الظَّاهِر، لِأَنَّهُ يُوَلِّد الْحِقْد فِي الْقَلْب وَالْحَسَد وَإِضْمَار
السُّوء عَلَى اِخْتِلَاف أَنْوَاعه، بَلْ أَوْلَى شَيْء يَقْبُح مِنْهُ
بَاطِنه، وَتَغَيُّر ظَاهِره ثَمَرَة تَغَيُّر بَاطِنه، وَهَذَا كُلّه أَثَره
فِي الْجَسَد، وَأَمَّا أَثَره فِي اللِّسَان فَانْطِلَاقه بِالشَّتْمِ
وَالْفُحْش الَّذِي يَسْتَحْيِي مِنْهُ الْعَاقِل وَيَنْدَم قَائِله عِنْدَ
سُكُون الْغَضَب وَيَظْهَر أَثَر الْغَضَب أَيْضًا فِي الْفِعْل بِالضَّرْبِ
أَوْ الْقَتْل، وَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِهَرَبِ الْمَغْضُوب عَلَيْهِ رَجَعَ إِلَى
نَفْسه فَيُمَزِّق ثَوْبه وَيَلْطِم خَدَّهُ، وَرُبَّمَا سَقَطَ صَرِيعًا،
وَرُبَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا كَسَرَ الْآنِيَة وَضَرَبَ مَنْ
لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ جَرِيمَة. وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَفَاسِد عَرَفَ
مِقْدَار مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَة اللَّطِيفَة مِنْ قَوْله
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَغْضَب " مِنْ الْحِكْمَة
وَاسْتِجْلَاب الْمَصْلَحَة فِي دَرْء الْمَفْسَدَة مِمَّا يَتَعَذَّر
إِحْصَاؤُهُ وَالْوُقُوف عَلَى نِهَايَته، وَهَذَا كُلّه فِي الْغَضَب
الدُّنْيَوِيّ لَا الْغَضَب الدِّينِيّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره فِي الْبَاب
الَّذِي قَبْله وَيُعِين عَلَى تَرْك الْغَضَب اِسْتِحْضَار مَا جَاءَ فِي كَظْم
الْغَيْظ مِنْ الْفَضْل، وَمَا جَاءَ فِي عَاقِبَة ثَمَرَة الْغَضَب مِنْ
الْوَعِيد، وَأَنْ يَسْتَعِيذ مِنْ الشَّيْطَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيث
سُلَيْمَان بْن صُرَد، وَأَنْ يَتَوَضَّأ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَة
إِلَيْهِ فِي حَدِيث عَطِيَّة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
· وَقَالَ الطُّوفِيّ: أَقْوَى الْأَشْيَاء فِي دَفْع الْغَضَب
اِسْتِحْضَار التَّوْحِيد الْحَقِيقِيّ، وَهُوَ أَنْ لَا فَاعِل إِلَّا اللَّه،
وَكُلّ فَاعِل غَيْره فَهُوَ آلَة لَهُ، فَمَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِمَكْرُوهٍ
مِنْ جِهَة غَيْره فَاسْتَحْضَرَ أَنَّ اللَّه لَوْ شَاءَ لَمْ يُمَكِّن ذَلِكَ
الْغَيْر مِنْهُ اِنْدَفَعَ غَضَبه، لِأَنَّهُ لَوْ غَضِبَ وَالْحَالَة هَذِهِ
كَانَ غَضَبه عَلَى رَبّه جَلَّ وَعَلَا وَهُوَ خِلَاف الْعُبُودِيَّة. قُلْت:
وَبِهَذَا يَظْهَر السِّرُّ فِي أَمْره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الَّذِي غَضِبَ بِأَنْ يَسْتَعِيذ مِنْ الشَّيْطَان لِأَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ
إِلَى اللَّه فِي تِلْكَ الْحَالَة بِالِاسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ الشَّيْطَان
أَمْكَنَهُ اِسْتِحْضَار مَا ذُكِرَ، وَإِذَا اِسْتَمَرَّ الشَّيْطَان مُتَلَبِّسًا
مُتَمَكِّنًا مِنْ الْوَسْوَسَة لَمْ يُمْكِنهُ مِنْ اِسْتِحْضَار شَيْء مِنْ
ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
|