تاريخ الخطبة: 2 ذو الحجة 1427 وفق 22/12/2006م

عنوان الخطبة: حرمة دماء المسلمين

الموضوع الرئيسي: الرقاق والأخلاق والآداب

الموضوع الفرعي: الفتن, فضائل الأزمنة والأمكنة

اسم الخطيب: محمد أحمد حسين

 

ملخص الخطبة

1- ذكرى حج النبي صلى الله عليه وسلم. 2- حرمة الاقتتال بين المسلمين.3- نداء للتآلف والتآخي. 4- فضل عشر ذي الحجة.

 

الخطبة الأولى

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46].

أيها المسلمون، أيها المرابطون في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، تذكرنا هذه الأيام المباركة من شهر ذي الحجة بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يؤدي الحج ويعلم المسلمين مناسك هذا الركن العظيم، ويبين لهم حرمة الزمان والمكان والإنسان، فقد أخرج البخاري ومسلم رحمهما الله عن نفيع بن الحارث رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان))، ثم قال: ((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس ذا الحجة؟)) قلنا: بلى، قال: ((فأي بلد هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: ((أليس البلدة؟)) والبلدة هي مكة البلد الحرام، قلنا: بلى، قال: ((فأي يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى، قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه))، ثم قال: ((ألا هل بلغت؟)) قلنا: نعم، قال: ((اللهم اشهد)).

اللهم إنا نشهدك من علياء هذا المنبر الشريف أننا نبلغ كلام نبيك محمد صلى الله عليه وسلم لأبناء شعبنا، ونناشدهم بهذا الوحي الكريم الذي عصمه الله تعالى من الهوى وجعله منهاجا لعباده المؤمنين وشريعة لأمة المسلمين أن يثوبوا إلى رشدهم، ويحتكموا إلى دينهم الذي حرم قتل النفس إلا بحق الله تعالى، وينحصر هذا الحق في القصاص والزنا بعد الإحصان والردة بعد الإيمان، وسوى ذلك حرام يقود صاحبه إلى الخسران في الدنيا والآخرة، وهو ما نهى عنه نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله: ((ألا فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض)).

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، إن ما جرى من اقتتال بين الإخوة من أبناء شعبنا في الأيام الماضية وأدى إلى إزهاق الأرواح البريئة ليملأ النفوس بالألم والقلوبَ بالحسرة ويندى له الجبين من العار والخجل، ويتألم شرف السلاح ويطعن كرامة المجاهد. فأي عذر لكم يعتذر به المتقاتلون وهم يوجهون سلاحهم إلى صدور بعضهم بعضا؟! ألستم أبناء وطن واحد وشعب واحد وأتباع دين جعله الله رحمة للعالمين، وكنتم به خير أمة أخرجت للناس، وحزتم شرف الانتماء للأولى سبقوا من أجدادكم المجاهدين الفاتحين والمحرّرين لهذه الديار؟! فكونوا الأحفاد والبارين بهم بتسجيل صفحة مشرقة في تاريخ الصمود والصبر والثبات والتراحم، ولا تكونوا الأخرى فتسوّدوا وجه التاريخ، وتبوؤوا بغضب من الله وتخسروا الحسنيَين. والله عز وجل يقول: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 25]، ويقول تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 46]. فعلام التنازع والخلاف؟! أهو على أرض لا زالت ترزح تحت وطأة الاحتلال تفصلها الجدران وتعزلها الحواجز الاحتلالية وتنادي أبناءها للوحدة علها تتنفس نسيم الحرية, أم هو على عارية مستردة من متاع الحياة الدنيا الزائلة؟! (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد: 20].

فلا تسموا الأشياء بغير أسمائها لتحقيق منفعة حزبية أو فصائلية أو فئوية بانتهاك المحرمات، وعلى رأسها استباحة الدم الفلسطيني. فالحرام يبقى حراما كحرمة الشهر الحرام والبلد الحرام، وكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب الحجيج بقوله: ((وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إذا اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟)) قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.

فهلا اعتصم أبناء شعبنا بكتاب الله تعالى الذي قرّر الأخوة الإيمانية في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) [الحجرات: 10]، فلتكن هذه الأخوة وازعا للعودة إلى سبيل الرشاد والرحمة والمودة والتسامي فوق كل الخلافات والنزاعات رغم كل الجروح والآلام التي عانى منها كل أبناء الشعب خلال أيام المواجهة بين أبناء الشعب الواحد والسلاح الواحد.

يا أبناء شعبنا المرابط، إنه لموقف كريم وعظيم ومشرف ذاك النداء الذي انطلق من أسر الضحايا الذين سقطوا خلال المواجهات المؤسفة بين الإخوة؛ يناشدون فيه الجميع احترام وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بمساعدة الخيِّرين من أبناء أمتنا وشعبنا، فليكن شعار المرحلة قول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)).

 

 

الخطبة الثانية

أيها المسلمون، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، لقد حل علينا شهر ذي الحجة بأيامه ولياليه المباركة التي يضاعف الله فيها الثواب للعاملين والطائعين، فاستغلوا مواسم الخير هذه بالأعمال الصالحة من صيام وقيام وذكر لله وحمد وتهليل وتكبير وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وإصلاح للنفس وإصلاح بين الناس؛ عسى الله أن يتوب علينا ويرحمنا برحمته الواسعة في الدنيا والآخرة.

ومما يدل على مكانة هذه الأيام وأجر العمل فيها أن الله سبحانه وتعالى أقسم بها في كتابه العزيز فقال: (وَالفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) [الفجر: 1، 2].

ومن هذه الأيام يوم عرفة، وهو يوم الحج الأكبر، يؤدي المسلمون فيه ركنا عظيما من أركان الإسلام، ويجتمع الحجيج في صعيد عرفات الطاهر في جمع إيماني ومؤتمر إسلامي، يتضرعون إلى الله سبحانه وتعالى بقبول أعمالهم وغفران ذنوبهم وجمع كلمتهم على التوحيد والتقوى، نسأل الله تعالى أن يمن علينا وعلى حجاج بيت الله الحرام وعلى المسلمين في كل زمان ومكان بالعزة والرفعة ووحدة الكلمة على البر والتقوى، إنه نعم المولى ونعم النصير.

أيها المسلمون، يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل الأعمال الصالحة في هذه الأيام: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام)) يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟! قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لا يرجع من ذلك بشيء)).

ومن الأعمال الصالحة في هذه الأيام الصيام، وخاصة صيام يوم عرفة لغير الحاج، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله وبعده)). وفي يوم النحر وهو اليوم العاشر من ذي الحجة يتقرب المسلمون إلى الله بالأضاحي توسعة على العيال وتكريما للأصدقاء وصدقة على الفقراء. إنها أيام كريمة عظيمة، فهنيئا لمن أشغل نفسه فيها بعمل الخيرات وتقرب إلى الله بسائر القربات.

يا أبناء ديار الإسراء والمعراج، ما أحوجنا في هذه الأيام العظيمة إلى إصلاح النفس والإصلاح بين إخواننا المتخاصمين، ولعل هذا من أعظم الأعمال الخيرة في هذه الأيام التي تجمع المسلمين على طاعة الله تعالى في الحج والتطوع بالصيام والأعمال الصالحة. وليكن منهاج عملنا هذه الأيام ونحن نستعد لاستقبال عيد الأضحى المبارك على النحو التالي:

أولا: التأكيد على حرمة الدم الفلسطيني والعمل على حقنه استجابة لأمر الله تعالى وهدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

ثانيا: استمرار التزام أبناء حركتي فتح وحماس وهم إخوة العقيدة والسلاح والمصير بالاتفاق الخير على وقف القتال وعدم العودة إلى ذلك والاحتكام إلى لغة الحوار فقط بديلا عن لغة السلاح.

ثالثا: العمل الجاد والمخلص لتجاوز هذه المحنة التي تعصف أو تكاد بالوطن والمواطن، وهنا نناشد الجميع بلا استثناء في الساحة الفلسطينية للعمل على جمع الكلمة وتوحيد الصف للمحافظة على نقاء المسيرة التي اختطَّتها مواكب الشهداء على امتداد تاريخ قضيتنا الفلسطينية، ويرقبها آلاف الأسرى الذين ضحوا من حريتهم من أجل حرية الوطن والمواطن، ولهؤلاء الأسرى نبعث تحية إجلال واحترام، فهم بحق نبض قلب الشعب والوطن.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمً) [الأحزاب: 70، 71]، ويقول: (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة: 105].