تاريخ الخطبة: 11 رجب 1425 وفق 24/8/2004م
عنوان الخطبة: استقبال العام الدراسي الجديد
الموضوع الرئيسي: العلم والدعوة والجهاد
الموضوع الفرعي: التربية والتزكية
اسم الخطيب: عكرمة بن سعيد صبري
ملخص الخطبة
1- قرب العودة إلى المدارس. 2- توجيهات للمعلمين والمعلمات. 3- مسؤولية الآباء والأمهات. 4- عناية الإسلام بالعلم. 5- قضية المستوطنات والطرق الالتفافية والجدار العازل. 6- قضية إضراب الأسرى عن الطعام. 7- المؤامرة على المسجد الأقصى
الخطبة الأولى
أما
بعد: فيقول الله سبحانه وتعالى في سورة الزمر:
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي
الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا
الأَلْبَابِ
[الزمر:9]، ويقول عز وجل في سورة المجادلة:
يَرْفَعْ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
[المجادلة:11].
أيّها المسلمون، يا أمة القرآن، يا أمة العلم والفرقان، بعد أيام قلائل يتوافد بعون الله ورعايته وحفظه مئات الآلاف من الطلاب والطالبات من أبنائنا وبناتنا فلذات أكبادنا إلى رياض الأطفال والمدارس والمعاهد بمختلف مستوياتها ودرجاتها وتخصصاتها، إنهم يتوجهون لينالوا العلم وفي أيديهم وعلى ظهورهم حقائب الغد المختبي، هذا الغد المجهول الذي لا يعلمه إلا الله ربّ العالمين، إنهم يتوجهون إيذانا ببدء عام دراسي جديد، ونسأله عز وجل رب الخلائق والأكوان أن يكون هذا العام الدراسي عام يمن وخير على طلابنا وطالباتنا وعلى المجتمع كله، وأن يتسم هذا العام بالهدوء والاستقرار، ليتمكن أبناؤنا وبناتنا من تعويض ما فاتهم من أيام وسنوات عجاف، نتيجةَ ممارسات الاحتلال العدوانية ضد شعبنا الأبي، وضد مدارسنا ومدرسينا وطلابنا.
أما أنتم ـ أيها المعلمون ـ فإن ثقتنا بكم قوية وكبيرة إن شاء الله، فشمروا عن سواعدكم للعمل الجاد والمثمر والمفيد، وهيئوا أذهانكم للتحضير والشرح، فعليكم يعوّل أمر التعليم.
ومما لا شك فيه أن التحصيل الدراسي للطلاب يرتبط ارتباطا وثيقا بالمدرسة والمدرس؛ فالجو المدرسي له أثر كبير في تحصيل الطلاب للعلوم، كما أن المدرس له دوره الفعال في ترغيب الطلاب في الدراسة، فالمدرس الناجح هو الذي يكون محبا لمهنته محترما إياها وأن يكون لديه تقدير للرسالة السامية الملقاة على عاتقه، بالإضافة إلى هضمه للموضوع الذي يدرسه ويشرحه للطلاب، حينئذ يحترم الطلاب معلمهم ويصغون إليه ويستفيدون منه، هؤلاء الطلاب الذين يمثلون جيش الليل كما وصفهم أحد العلماء من سلفنا الصالح.
أيها المعلم، أنت قبس من نور، قبس من رسالة الأنبياء والمرسلين، فيك ثورة العظماء وتضحية المجاهدين وحنكة القياديين، فكن عند حسن ظن الناس بك، فلا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيدها لطلابك ولا تبالغ ـ أيها المعلم ـ في مسامحتهم حتى لا يميلوا إلى الفراغ والمفسدة ومضيعة الوقت.
هذا ما كتبه هارون الرشيد الخليفة العباسي للعالم الكسائي مؤدب ولديه الأمين والمأمون، وكما هو معلوم أن طبيعة الطلاب تميل إلى الانفلات ومضيعة الوقت وحب الإضرابات.
أيها
المعلم، لقد أودعناك فلذات أكبادنا، فكن لهم قدوة صالحة ومربيا ناجحا، فعليك أن
تعاملهم معاملة حسنة، وأن تظهر لهم المحبة والعطف ليقابلوك بالاحترام والطاعة
وبالجد والاجتهاد، وأن تكف ـ أيها المعلم ـ أمام الطلاب عن الشكوى؛ فإن الشكوى تحطم
روح العمل والإبداع، وتفقد احترام الطالب لك، ولا تظهر انزعاجك أمامهم لأن الطالب
إذا شعر بأن أستاذه منزعج أو متضايق لأي سبب من الأسباب فإنه يتأثر نفسيا وينزعج
لانزعاج أستاذه ويتضايق لتضايقه، ولا تيأس ـ أيها المعلم ـ في إصلاح الطلاب
وتقويمهم مهما عظم الفساد وانفلتت الأمور، والله سبحانه وتعالى يقول:
قُلْ لا يَسْتَوِي
الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ
[المائدة:100].
أيها الآباء والأمهات، أما أنتم ـ أيها الآباء والأمهات ـ لا تظنوا أنكم مُعفَون من المسؤولية تجاه أولادكم وبناتكم، فلا تلقوا بالمسؤولية على المدرسين وحدهم، فالمسؤولية مشتركة، ويجب الربط بين المدرسة والبيت، وبخاصة في هذه الظروف القاسية العصيبة الخطيرة التي لا حماية فيها للأخلاق ولا للأعراض.
وتذكروا ـ أيها الآباء وأيتها الأمهات ـ قول الله تعالى:
يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ
[التحريم:6]. وتذكروا قول رسولنا الأكرم: ((ألا كلكم
راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته،
والرجل راع على أهل بيته، وهومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده،
وهي مسؤولة عنهم)).
أيها الآباء، أيتها الأمهات، احذروا رفقاء السوء من أن يؤثّروا على أولادكم، احذروا الذين يتعاطون المخدرات والذين يحاولون نشرها في المدارس، وبخاصة بين الطلاب والطالبات في سنّ المراهقة. اسألوا عن أولادكم في الذهاب والإياب مِن وإلى المدرسة، متى يخرجون من البيت؟ ومتى يعودون إليه؟
لقد سمعنا أشياء سلبية كثيرة في العام الدراسي الماضي، لا يجوز السكوت عنها، عليكم من بدء العام الدراسي الجديد أن تتعاونوا مع المدرسة تعاونا وثيقا حرصا على أبنائكم وبناتكم سلوكيا وعلميا.
أيها المسلمون، لقد أعطى ديننا الإسلامي العظيم العناية الكافية للتعليم وأكرمَ العلماء والدعاة والمعلمين تكريما ماديا ومعنويا، ونطالب أولي الأمر والشأن إنصاف المعلمين ليتمكنوا من التفرغ لمهنة التعليم.
وكما
هو معلوم أن أول آية نزلت على قلب رسولنا الأكرم محمد
لم تتناول موضوع
التوحيد والعقيدة، رغم أن التوحيد يمثل القاعدة الأساسية في الدين الإسلامي، وإنما
كانت الآيات الأولى تأمر بالقراءة والكتابة بقوله سبحانه وتعالى:
اقْرَأْ بِاسْمِ
رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ
اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الأَكْرَمُ
الَّذِي
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ
عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
[العلق:1-5].
فلا نتصور ـ يا مسلمون ـ فهما ووعيا وإدراكا لهذا الدين العظيم دون أن نتعلم القراءة والكتابة، ففيها بيان لأهمية العلم وبيان أن الإسلام قائم على العقل والإقناع وأنه يحافظ على كرامة الإنسان، وليس دينا قائما على الخرافات والدجل والأوهام والخزعبلات.
من هذا كانت أمتنا الإسلامية مؤهله لأن تكون خير أمة أخرجت للناس، بهذا الدين العظيم، الأمة الكريمة التي تشيد المساجد ودور العلم والمكتبات ولا تشيد السجون والمعتقلات. الأمة التي تحافظ على التراث والآثار والحضارات، ولا تجرف الأراضي وتهدم البيوت.
إن ما تقوم به سلطات الاحتلال من تجهيل وتخريب وتدمير يذكرنا بالمغول والتتار والصليبيين، وكل إناء بما فيه ينضح.
جاء
في الحديث النبوي الشريف: ((إن الله لا يقبض العلم
انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ
الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلوا)) صدق رسول الله
.
حمانا الله وإياكم من الضلالة والإضلال.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، حمدَ عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
هناك ثلاث موضوعات ساخنة نتعرض لها بإيجاز:
الموضوع الأول: بشأن المستوطنات والطرق الالتفافية والجدار العازل، هذا الثالوث
السرطاني التهم الأراضي ومزق البلاد وشتّت العباد، إن المحصلة النهائية لهذا
الثالوث السرطاني أن جعل الأراضي الفلسطينية مجزأة دون اتصال فيما بينها، أي أصبحت
عبارة عن كانتونات وتجمعات سكنية مقطعة الأوصال تحكم حكما ذاتيا أو تحكم من خلال
البلديات والمخافير، وأن ما تقوم به السلطات الاحتلال المحتلة هو تنفيذ لمخطط
عدواني رهيب وضع منذ عام 1969م. فالمطروح الآن هو تصفية القضية وليس حلّ القضية،
فماذا ينتظر المسلمون؟!
وَعَسى أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ
شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[البقرة:216].
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، الموضوع الثاني: بشأن إضراب الأسرى الأبطال في السجون الإسرائيلية، وإن الأسرى البواسل لم يقدموا على الإضراب بدون أسباب. لقد تراكمت الممارسات المهينة والمعاناة المستمرة للأسرى الأبطال من قبل السجانين وإدارة السجون الإسرائيلية، مما اضطر الأسرى العظام إلى الإعلان عن الإضراب للتعبير عن احتجاجاتهم وللمطالبة بتحسين أوضاعهم.
وإن
الحركة الأسيرة أعلنت بأن الإضراب ليس سياسيا، وإنما لدوافع إنسانية، وهناك تجاوب
شعبي وجماهيري في الداخل والخارج مع مطالب الأسرى الإنسانية، وبالمقابل هناك تعنّت
من قبل السلطات الإسرائيلية المحتلة، فإن وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي يصرح
تصريحا عنصريا بأن الأسرى إذا أضربوا فليجوعوا حتى يموتوا. وإن وزير الصحة
الإسرائيلي يعلن تصريحا عنصريا آخر بأن المستشفيات الإسرائيلية سوف لا تستقبل أي
أسير مريض، ونحن نعلن من على منبر المسجد الأقصى المبارك بـأن السلطات الإسرائيلية
المحتلة مسؤولة عن حياة هؤلاء الأسرى، ونحمل المسؤولية عن أي أسير يستشهد، لأن
إدارة السجون قد صادرت من الأسرى كميات الملح وحرمتهم من الحليب والبيض، وهذا يؤثر
على صحتهم وحياتهم تأثيرا سلبيا، ويتوجب الإفراج عن الأسرى الأبطال، فمن حقهم أن
يعيشوا أحرارا بين أهلهم وذويهم.
وَمَا نَقَمُوا
مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
[البروج:8].
ومن على منبر المسجد الأقصى نحيّي إخوتنا الأسرى على صمودهم وعلى شجاعتهم وعلى ثباتهم، والله يحفظكم الله يرعاكم.
ويتوجب على الأنظمة والحكومات في العالم العربي والإسلامي دعم موضوع الأسرى، فالأسرى هم جزء من القضية الفلسطينية.
أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، الموضوع الثالث: بشأن المسجد الأقصى المبارك درة فلسطين وتاج المسلمين، لنوضح بأن الأخطار المحدقة به هذه الأيام هي أشد من أخطار الحريق المشؤوم الذي لحق بالمسجد الأقصى في 21/8/1969م. وإن ذكرى الحريق ستبقى ماثلة في عقول وأذهان المسلمين عبر الأجيال، فقد مس هذا الحريق مسجدنا المبارك الذي يمثل جزءًا من إيماننا وعقيدتنا. لكن أهل بيت المقدس وأكناف بيت المقدس أطفؤوا الحريق، وأحبطوا مؤامرة التدويل، وسيحبطون أيّ مس لهذا المسجد المبارك، فالأقصى للمسلمين وحدهم، ونحن السدنة ونحن الحراس له.