تاريخ الخطبة: 22 ذو الحجة 1424 وفق 13/2/2004م

عنوان الخطبة: عدوان الاحتلال الإسرائيلي

الموضوع الرئيسي: العلم والدعوة والجهاد

الموضوع الفرعي: المسلمون في العالم

اسم الخطيب: عكرمة بن سعيد صبري

 

ملخص الخطبة

1- العبرة من الزلازل. 2- إحصائية عن قتلى وجرحى الانتفاضة. 3- صور من عدوان الاحتلال الإسرائيلي. 4- فرية البيان اليهودي

 

الخطبة الأولى

أما بعد: فيقول الله عز وجل في سورة القمر: إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَـٰعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ [القمر:49-51]، صدق الله العظيم.

أيها المسلمون، لقد شعر أهل فلسطين أولَ أمس بالزلزال الذي أصاب منطقة بلاد الشام، ومِن لطف الله العليّ القدير أن جاء الزلزال خفيفًا بالنسبة للزلازل التي أصابت إيران وتركيا، وسبق أن تعرضت لهذا الموضوع حين دمّر الزلزال مدينة بام الإيرانية قبل أربعين يومًا تقريبًا، وقلنا في حينه بأن الزلازل وغيرها من الظواهر الطبيعية هي بيد الله الواحد القهار خالق الكون والإنسان والحياة، والله الذي يسيرها وينظمها، فيقول في سورة يونس: هُوَ ٱلَّذِى يُسَيّرُكُمْ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ [يونس:22]، ويقول في سورة الكهف: وَيَوْمَ نُسَيّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَـٰهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا [الكهف:47]، ويقول في سورة الأنبياء: وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَـٰرَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء:33]، ويقول في سورة يس: لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40]، وغيرها من الآيات الكريمة التي تؤكد قدرة الله عز وجل في تسيير الكون وتنظيمه.

أما العلوم التقنية والتكنولوجيا فمهمتها الكشف عن الظواهر الطبيعية في الكون من الزلازل والبراكين والمدّ والجزر والفيضانات والخسوف والكسوف، ولا يزال الإنسان يكتشف كل يوم أمور جديدة في هذا الكون الرحيب، ولكن يستحيل على العلم أن يوقف هذه الظواهر، كما يستحيل عليه أن يمنع وقوعها وحدوثها.

أيها المسلمون، عودة إلى الزلزال الذي أصاب منطقة بلاد الشام أولَ أمس لنقول: إن الله العلي القدير كان لطيفًا بعباده، فلم تقع خسائر تذكر، ولم يقتل أحد نتيجة هذا الزلزال، ويعتبر هذا الزلزال إنذارًا أول للمسلمين ولغير المسلمين للاتعاظ، فهل اتعظ الاحتلال من هذا الزلزال؟! هل ارتدع عن أعماله الإجرامية من القتل والتدمير؟! ماذا حصل في حي الشجاعية في غزة أول أمس؟! إن مجزرة حي الشجاعية أسفرت عن ستة عشر شهيدًا وخمسة وستين جريحًا، فالاحتلال هو الزلزال الذي ابتلينا به.

فمنذ اندلاع الانتفاضة المباركة في شهر أيلول سبتمبر من العام 2000م استشهد ما يزيد عن أربعة آلاف شخص من الرجال والنساء والأطفال والمواليد الجديدة، وأمس وضعت امرأة مولودها على حاجز ضاحية البريد، ولم تتمكن سيارة الإسعاف من الوصول إلى المستشفى بسبب الحواجز العسكرية التي أعاقت تحرك سيارة الإسعاف، وأما الجرحى فقد زاد عددهم على ستين ألف شخص، وقد أدى ذلك إلى تيتّم الأطفال وترمل الزوجات وثكل الأمهات وتشتيت العائلات.

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن ما يقوم به جيش الاحتلال ضد أهلنا المرابطين هو حرب إبادة مبرمجة بدعم من أمريكا وتأييد دولي وصمت عربي، إن أحد المسئولين في سلطة الاحتلال ينفي أن تكون هذه الحرب حرب إبادة، إذًا ماذا تكون؟! إنها فعلاً وعلى أرض الواقع هي حرب إبادة، لقد طالت البشر والشجر والحجر، إن المجازر بحق شعب فلسطين المرابط هي مستمرة وبشكل يومي بحجة محاربة الإرهاب.

أما ما يقوم به الاحتلال فليس إرهابًا!! وإنما هو دفاع عن النفس كما يزعم ويدعي!! فنحن في عصر انقلبت فيه المفاهيم والمعايير والأحكام والموازين، والويل للضعيف.

ونؤكد بأن السبب المباشر لدائرة العنف على الساحة الفلسطينية هو وجود الاحتلال، ولن يؤدي البطش الاحتلالي إلى السلام المزعوم، وإن الهدف من القتل والاغتيال والتدمير والاجتياح هو فرض الاستسلام. إن شعبنا الفلسطيني المؤمن لن يرضخ ولن يستسلم ولن يقبل الدنية والمذلة والضيم والظلم، لأنه شعب أبيّ صاحب حق شرعي.

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن السلطات المحتلة ماضية في إقامة الجدار الفاصل العنصري وبخاصة حول مدينة القدس، وهذا ما صرح به أحد المسئولين في هذه السلطة، لتصبح هذه المدينة سجنًا كبيرًا ومعزولة عن سائر المناطق المجاورة لها، وما يحصل اليوم يدل على ذلك، وهل الجدار الفاصل سيحل المشكلة؟! هل سيعطي الاحتلال شرعية لاحتلاله؟! هل ستنتفي الصفة الإسلامية عن مدينة القدس درة فلسطين والعالم الإسلامي؟!

إن مدينة القدس مصانة ومحفوظة في القرار الرباني وبوجهها الحضاري، وهي في قلوب مئات الملايين من المسلمين، هكذا علمتنا دروس التاريخ عبر الأجيال في أرض الإسراء والمعراج، فإن ترابها مجبول بدم الصحابة والعلماء والشهداء، وكل حجر فيها ينطق بتاريخ الحكام والولاة والقادة العظام.

أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إننا من على منبر المسجد الأقصى المبارك نحمل السلطات المحتلة مسؤولية ما يجري على الساحة الفلسطينية بعامة، وبحق مدينة القدس بخاصة، والله يمهل ولا يهمل، ولن تهدأ المنطقة إلا بإنهاء الاحتلال، وإذا اعتبر الشعب اليهودي بأن العنف ضد الشعب الفلسطيني هو الوسيلة الناجعة لأمنه واستقراره فإنه يكون واهمًا، وعليه أن يدرك هذا الشعب اليهودي بأن الحكومة الإسرائيلية التي انتخبها لن تجلب له إلا الفقر والرعب وعدم الاستقرار، وفي المقابل فإن المجازر بحق أهل فلسطين والحصارات المحيطة بهم لن تزيدهم إلا تصميمًا وإرادة من أجل الوصول لحقهم الشرعي السليم.

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]. ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله ألعلي العظيم.

جاء في الحديث الشريف: ((عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله))، صدق رسول الله .

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين.

 

الخطبة الثانية

نحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلاة وسلام دائمين عليه إلى يوم الدين. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

أيها المصلون، نقدم التهاني لإخوتنا الذين عادوا من الديار الحجازية، نقول لهم: حج مبرور، وسعي مشكور، وذنب مغفور، وتجارة لن تبور إن شاء الله، وندعوهم ـ كما ندعو أنفسنا ـ أن يحافظوا على هذه العبادة بالتزام أوامر الله واجتناب نواهيه، والحمد الله على سلامتكم.

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، قبل أيام تم توزيع بيان على أجهزة الفاكس والبريد الإلكتروني والعادي صاغته جهة يهودية مجهولة لدينا، أي أن البيان دون توقيع، ولكن في آخر البيان رقم الهاتف ورقم الفاكس وصندوق البريد، فهذه الجهة ليست مجهولة لدى الشرطة، لأن البيان مذيل برقم الهاتف والفاكس ورقم صندوق البريد كما قلت، والبيان موجه إلى مسلمي فلسطين هكذا عنوان البيان: "موجه إلى مسلمي فلسطين بمغادرة أرضهم"، التي سماها البيان بأرض إسرائيل، ويؤكد البيان المزعوم بأن فلسطين هي للشعب اليهودي وحدهم، وأن الله قد منحهم هذه الأرض حسب قولهم، وقد سبق لعدد من الحاخامين اليهود أن صرحوا بهذه المزاعم.

هذا وقد تضمن البيان المزعوم عدة افتراءات ومغالطات منها:

أولاً: أورد البيان عبارة من التوراة نصها: "إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان"، وهذا إقرار بأن فلسطين هي للكنعانيين، أي أن الكنعانيين العرب كانوا أقدم من اليهود في فلسطين، ثم إن اليهود لم يكونوا مالكين لفلسطين، إنما مجرد عبور ومرور.

ثانيًا: إن إسرائيل أي يعقوب عليه السلام قد استقر في مصر، ولم يكن أصلاً في فلسطين، وإنما كان في بلاد بدوية قاحلة، والأغلب أن يكون في صحراء سيناء، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة من سورة يوسف، يقول الله سبحانه وتعالى على لسان يوسف: وَقَدْ أَحْسَنَ بِى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ وَجَاء بِكُمْ مّنَ ٱلْبَدْوِ [يوسف:100]، وفلسطين لم يسبق أن كانت من البادية.

ثالثًا: إن البيان السام الذي وزع استخدم عددًا من الآيات الكريمة من القرآن الكريم في غير موضوعها وأساء في فهمها.

رابعًا: إن المسلمين في فلسطين لهم جذران أساسيان، الجذر الأول تاريخي يمتد للكنعانيين واليبوسيين، وهذا الجذر التاريخي يسبق تاريخ اليهود، أما الجذر الآخر هو الجذر الديني العقدي المرتبط بمعجزة الإسراء والمعراج.

إذًا من الذي يرحل؟ إننا نحن المسلمين متجذّرون هنا، ولن نرحل، وإن هذه البيانات المزعومة العدوانية تنم عن عنصرية وتعصب وحقد، إذا كانت السلطات المحتلة معنية بالاستقرار والأمن عليها أن تلاحق هؤلاء المتطرفين الذين يزوِّرون التاريخ ويثيرون الفتن والضغائن، ولسنا كمسلمين خائفين من هذه الافتراءات والتخريفات، كما لسنا عاجزين عن الرد عليها بكتب ومؤلفات، فالفكر الإسلامي فيه الزخم والقوة والجرأة والحصانة، وسبق أن قام أعداء الإسلام عبر التاريخ بالتزوير والتضليل، ولم يؤثر على الإسلام كدين، والله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ [الحجر:9]، وإن المسلمين هم حراس هذه الأرض التي تضم رفاة وقبور الصحابة والتابعين والمجاهدين منذ الفتح العمري، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.