تاريخ الخطبة: 18 شوال 1424 وفق 12/12/2003م

عنوان الخطبة: حقوق الإنسان

الموضوع الرئيسي: العلم والدعوة والجهاد

الموضوع الفرعي: محاسن الشريعة

اسم الخطيب: عكرمة بن سعيد صبري

 

ملخص الخطبة

1- ذكرى ما يسمى بإعلان حقوق الإنسان. 2- فشل الإعلان وضياع أبسط الحقوق الإنسانية للمسلمين. 3- المخدوعون من المسلمين يصدقون هذا السراب. 4- سبق الإسلام إلى تقرير حقوق الإنسان. 5- نماذج من ممارسة حقوق الإنسان في المجتمع المسلم. 6- تحريم المرور بين يدي المصلي. 7- بطلان التنازل عن حائط البراق.

 

الخطبة الأولى

أما بعد: فيقول الله سبحانه وتعالى في سورة الحجرات: يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَـٰرَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13]، صدق الله العظيم.

أيها المسلمون، قبل يومين مرت ذكرى ما يسمى بيوم حقوق الإنسان، تلك الحقوق التي أعلنتها هيئة الأمم قبل خمسة وخمسين عاما، فقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف بكرامة الإنسان وبحريته وعدم سجنه ونفيه حينما يعبر عن رأيه، إلى آخر الديباجة المدونة في ملفات الأمم المتحدة.

أيها المسلمون، بمناسبة يوم حقوق الإنسان، لم تحتفل الأمم المتحدة بهذا اليوم في هذا العام كعادتها، بل مرت هذه المناسبة مروراً عابراً لماذا؟ لأن الأمم المتحدة قد شعرت بأن ما يعلن لم يطبق، وأن ما دوِّن بقي حبراً على ورق، والذي يبدو أن الأمم المتحدة قد خجلت أن تحتفل بحقوق الإنسان لكثرة المآسي والظلامات التي لاقاها ويلاقيها الإنسان الضعيف المشرد في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها، وأخذ العالم يشكل جمعيات للرفق بالحيوان بعد أن فشل في الرفق بالإنسان، وشعرت أن الأمم المتحدة قد هيمنت عليها أمريكا، فلم تعد هناك أمم متحدة.

أيها المسلمون، لا يزال العالم يتخبط في تشريعاته للقوانين الوضعية، ولا يزال بعض المسلمين المغفلين ممن يعتبرون أنفسهم مثقفين يلهثون وراء التقاليد الغربية والأفكار المستوردة ووراء الدولارات الخادعة، ولم يفهم هؤلاء بأن ديننا الإسلامي العظيم كان ولا يزال قادراً على حل المشاكل الإنسانية، وهو أول من حفظ للإنسان حقوقه وكرامته، وبيّن ما له وما عليه منذ خمسة عشر قرناً.

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، جاء ديننا الإسلامي العظيم، وقرر أول ما قرر بأن العبودية لله وحده، وليس لأي مخلوق كان، وأن الإنسان مرتبط بربه ارتباطا مباشرا لقوله عز وجل: وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً [النساء:36]، وهذا المبدأ قد شرحه الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، من خلال مخاطبته ليزدجر آخر ملك من ملوك الفرس حيث قال له: (لقد بعث الله فينا رجلا معروفا في حسبه ونسبه، وأصبح هذا الرسول فيما بيننا وبين رب العالمين، وأخرجنا من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)، ثم وقعت القادسية فكان النصر فيها للمسلمين.

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، لقد قرر ديننا الإسلامي العظيم قبل خمسة عشر قرناً بأن الإنسان مكرم لا مهان، لقوله عز وجل: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ [الإسراء:70]، ونظر الإسلام إلى الإنسان بأنه حر، وليس عبدا، وتمثل ذلك بقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، هذه العبارة الذهبية التي نطق بها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في وجه عمرو بن العاص والي مصر وقتئذ لماذا؟ لأن ابن عمرو قد اعتدى على المصري القبطي دون وجه حق، فأنزل عمر عقابه على المعتدي، فهذه عدالة الإسلام وهذه رعايته للإنسان، فأين كرامة الإنسان في أمريكا من هذه الحادثة الإنسانية؟

لقد شاهدتم عبر شاشات التلفاز قبل أيام قليلة كيف أن الشرطة الأمريكية قد ضربت أمريكياً أسوداً حتى الموت، ما ذنبه؟؟ لأنه إنسان أسود، وذلك على مرأى من الناس، فلو كان هذا الإنسان أبيضاً هل يضرب حتى الموت؟؟ فأين ما تسمى بجمعيات حقوق الإنسان التي تتلقى ملايين الدولارات؟ وأين جمعيات الرفق بالحيوان حتى ترفق بالإنسان.

أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، لقد منح الإسلام للناس حرية العقيدة بقوله عز وجل: لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ [البقرة:256]، واعتبر ديننا الحنيف أن الناس جميعاً متساوون في الحقوق الإنسانية، وأن الأفضلية فيما بين الناس (المسلمين) تعتمد على التقوى، لقوله سبحانه وتعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ [الحجرات:13]، ولقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: ((ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى))[1]، فأين هذه القيم الرفيعة فيما بين المسلمين اليوم، وقبل أن نسأل أو أن نلوم الشعوب والأمم الأخرى علينا نحن المسلمين أن نسأل أنفسنا وأن نحاسب أنفسنا لعدم التزامنا بهذه القيم السامية، فالعصبية الجاهلية الإقليمية والقومية قد أخذت منا كل مأخذ، فأين التقوى وأين الأخوة الإيمانية؟

أيها المسلمون، لقد منح ديننا الإسلامي العظيم حرية الكلمة وشجع على قول الحق والصدق لقوله سبحانه وتعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلاْمْرِ [آل عمران:159]، وفي آية أخرى وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ [الشورى:38]. ولقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تُودع منها))[2]، فالرسول عليه الصلاة والسلام يحذر من السكوت على الظالم، وهذا هو الملاحظ في عصرنا الحاضر فقد انطبقت نبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام على أمتنا الإسلامية التي تهاب وتخاف من الظالم، فلا تقول له: أنت ظالم، وفي حديث نبوي آخر: ((إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر))[3]، وقال الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيتُ الله فلا طاعة لي عليكم)، فأين حكام العالم الإسلامي اليوم من هذه المقولة السامية التي قيلت قبل خمسة عشر قرناً؟؟ (أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم).

أيها المسلمون، أسوق مثالين لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، المثال الأول: صعد عمر بن الخطاب مرة على المنبر فقال: (إن وجدتم فيّ اعوجاجاً فقوموني)، فيقف أعرابي قائلاً: والله لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بحدِّ سيوفنا، فلم يغضب عمر من قول الأعرابي ولم يعتقله، ولم يوجه له تهمة التآمر والخيانة، بل قال: (الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوِّم اعوجاج عمر).

المثال الثاني: يصعد عمر مرة أخرى على المنبر فيقول: (اسمعوا وأطيعوا)، فيعترضه رجل قائلاً: لا سمع ولا طاعة، فلم يتأثر عمر من هذه الاعتراض، ولم يغضب، بل استفسر قائلاً: (لماذا لا تريد السمع ولا الطاعة؟) فقال الرجل: إنك يا أمير المؤمنين تلبس رداءً فضفاضاً وإن قطع القماش التي قسمتها علينا لا تكفي الواحد منا، فمن أين لك هذا الرداء الفضفاض؟؟ فتبسم عمر وقال لابنه عبد الله: أخبر هذا الأعرابي من أين الرداء الذي ألبسه، فأخبر عبد الله: لقد تبرعت بحصتي لوالدي، فضم حصته إلى حصتي، فأصبحتا ثوباً فضفاضاً.

وحين تبينت الحقيقة الواضحة لهذا الرجل قال: الآن نسمع ونطيع، وقال عمر قولته المشهورة: (لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها).

أيها المسلمون، هذا هو دينكم العظيم، دين العدل، دين الحرية، دين الحضارة، دين الإنسانية، هذا دينكم الذي يحفظ للمواطن كرامته وماله وعِرضه، وأعطاه حقوقه ومنحه حرية الكلمة، وشجعه على قول الحق والصدق، فعودوا إلى دينكم في هذه الحياة، وفي الآخرة فهو منجاكم، وهو نصركم، جاء في الحدث الشريف: ((من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره، فليس مني))[4] صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين.


 


 

[1] أخرجه أحمد (5/411)، والحارث بن أبي أسامة في مسنده (زوائد الهيثمي 1/193) عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وسمّاه الطبراني في الكبير (18/12)، العداء بن عمرو رضي الله عنه. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، مجمع الزوائد (3/266)، وصححه الوادعي في الصحيح المسند من أسباب النزول (1536).

[2] أخرجه أحمد (2/189)، والحارث بن أبي أسامة في مسنده (زوائد الهيثمي 2/763)، والحاكم (4/108) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وضعفه البيهقي بقوله: محمد بن مسلم هذا هو أبو الزبير، ولم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص. السنن الكبرى (6/95)، وضعفه أيضاً الألباني في ضعيف الترغيب (1392).

[3] أخرجه أحمد (3/19)، وأبو داود في الملاحم، باب: الأمر والنهي (4344)، والترمذي في الفتن، باب: ما جاء أفضل الجهاد وكلمة عدل عند سلطان جائر (2174)، وابن ماجه في الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4011) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه الحاكم (4/551)، والألباني في السلسلة الصحيحة (491)، وصحيح سنن ابن ماجه (3240)، وأخرجه النسائي في البيعة، باب: فضل من تكلم بالحق عند إمام جائر (4209)، عن طارق بن شهاب رضي الله عنه، وصححه الضياء في المختارة (8/110-116).

[4] أخرجه الطبراني في الأوسط (1/151)، عن أبي ذر رضي الله عنه، وعزاه الهيثمي للطبراني، وقال: فيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك. مجمع الزوائد (10/248)، وضعفه أيضاً الألباني في السلسلة الضعيفة (310)، وضعيف الترغيب (1062، 1886).

 

الخطبة الثانية

نحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد صلاة وسلام دائمين إلى يوم الدين.

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم على آل سيدنا إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد.

أيها المصلون، قبل البدء في موضوع الخطبة الثانية، أشير إلى مسألة فقهية تتعلق بالمرور بين يدي المصلي، لقد لوحظ مؤخراً وبخاصة أيام الجمع بأن المصلين يقطعون صلاة بعضهم بعضاً، وذلك من خلال المرور بين يدي المصلي، وكأن هذا المرور أصبح شائعاً ومعتاداً، وكأن الناس يشعرون أنهم في سجن، ويريدون الخروج من المسجد بسرعة، ولا ينتبهون للحكم الفقهي حيث نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن المرور بين يدي المصلي، من خلال عدة أحاديث نبوية شريفة، وعليه ينبغي للشخص حين الانتهاء من صلاته للسنة البعدية أن يلتفت خلفه، ليتأكد أن الذي وراءه قد انتهى من صلاته أم لا، ونأمل من إخوتنا المسافرين الذين يرغبون في الجمع والقصر مع العصر أن يتريثوا بعض الوقت ليتمكن المصلون من الانتهاء من صلاة السنة البعدية.

أيها المسلمون، يا أبناء أرض الإسراء والمعراج، في اليوم الذي نشرت فيه الصحف المحلية ما يسمى "بوثيقة جنيف"، في نفس اليوم نشر خبر حول البدء ببناء مستوطنة جديدة على جبل المكبِّر، هذا الجبل الذي كبَّر عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسميت هذه المستوطنة المستعمرة "بالمنظر الذهبي"، لأنها تطل على المسجد الأقصى المبارك من الجهة الجنوبية، كما نشر خبر آخر في اليوم نفسه، بأن سلطات الاحتلال عازمة على مواصلة بناء الجدار الفاصل العنصري اللا أمني، فماذا ينتظر أولئك الذين وقعوا على وثيقة جنيف؟؟ إنهم يتوهمون بأن الاحتلال الإسرائيلي سيتوقف عن مخططاته التوسعية، وعن القتل وسفك الدماء، وما جرى أمس في رفح يؤكد على ذلك، وعن الأساليب القمعية من الدمار والتخريب ونسف المنازل، ثم ماذا بقي من الأرض التي سيفاوضون عليها إذا أقرينا بوجود المستوطنات؟؟ ثم من فوضهم ليتحدثوا باسم اللاجئين؟؟ مع التأكيد على أن حق العودة هو حق شرعي لا يسقط مع مرور الزمان.

أيها المسلمون، من أعطى الحق لهؤلاء الذين وقعوا على الوثيقة اللعينة؟ من أعطاهم الصلاحية لتسليم حائط البراق لسلطات الاحتلال؟ وهل فرض الأمر الواقع يغير من الأحكام الشرعية؟ هذا الحائط الذي هو جزء من سور المسجد الأقصى المبارك، وهو وقف إسلامي من الناحية الشرعية، حتى إن عصبة الأمم التي تعتبر مؤسسة كافرة غير إسلامية، قبل ما يزيد عن سبعين عاماً، قد اعترفت بملكية حائط البراق للمسلمين، باعتباره وقفاً إسلامياً، وباعتبار أن هذا الحائط هو جزء من سور الأقصى، فالمؤسسات غير الإسلامية اعترفت، وأقرت بأن حائط البراق للمسلمين، ويأتي هؤلاء ليسلموه لليهود، ويطلقون عليه زوراً وبهتاناً "حائط المبكى"، هذا تصرف باطل ومخالف لأحكام الشريعة الإسلامية.

وعليه فإن هذه الوثيقة المزعومة غير شرعية، ولا نعترف بها، لا سابقاً، ولا لاحقاً، وسبق أن تعرضنا لهذا الموضوع مرتين في يوم عيد الفطر، وكذلك قبل ذلك بشهر، كما يرفض المسلمون سائر المبادرات المحلية والدولية التي تمس حق شعبنا في العودة إلى أرضه أو تساوم على القدس ومقدساتها.

أيها المسلمون، سيظل أبناء أرض الإسراء والمعراج أوفياء لبلادهم التي باركها الله وقدسها وقرر إسلاميتها مهما طالت مدة الاغتصاب والاحتلال والاستعمار، هذه الأرض التي ورثناها، أمانة غالية عن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ويتوجب على شعبنا الفلسطيني المرابط المزيد من الترابط والتعاون ورصّ الصفوف ووحدة الموقف للمحافظة على مقدساته ومقدراته وحقوقه المشروعة، ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.