تاريخ الخطبة: 22 رجب 1424 وفق 19/9/2003م

عنوان الخطبة: أنواع الأنفس

الموضوع الرئيسي: الرقاق والأخلاق والآداب

الموضوع الفرعي: أعمال القلوب

اسم الخطيب: محمد أحمد حسين

 

ملخص الخطبة

1- بعدنا عن ديننا سبب آلامنا ومشاكلنا. 2- أنواع النفس الإنسانية في القرآن. 3- ضرورة محاسبة النفس وتزكيتها. 4- جرائم إسرائيلية جديدة.

 

الخطبة الأولى

أما بعد: عباد الله، طاعة الله تبارك وتعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مسلم، وما يصيب المسلمين في هذه الأيام من الويلات والمصائب إلا بسبب بعدهم عن طاعة الله، سلوا أنفسكم: لماذا تسلط عليكم أعداؤكم؟ لماذا هذا الذل والهوان؟ لماذا هذا الضلال والزيغ والعصيان؟ والجواب واضح، لأننا ابتعدنا عن ديننا، ولله در عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين قال: "سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سنناًً، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحدٍ تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، من استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، ووفاه جهنم وساءت مصيراً".

وتذكروا ـ يا عبد الله ـ أن الاعتصام بالسنة منجاة، فعليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل الصحيح والسنة ذكر الله في نفسه، ففاضت عينه من خشية ربه فيعذبه الله أبداً، وما من عبد ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا غفر الله له.

فكتابنا سيد الكتب وأجمعها، وشريعتنا أوضح الشرائع وأدقها، وطريقتنا مسددة بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويحفظ السنة ويفهم معانيها لا يصح الاقتداء به، ومن هنا قال أهل العلم: "ولو رأيتم الرجل تربع في الهواء أو مشى على الماء فلا تقتدوا به حتى تروا صنيعه في الأمر والنهي، فإن رأيتموه ممتثلاً لجميع الأوامر، مجتنباً لجميع النواهي، فاقتدوا به، وإن رأيتموه يخل بالأوامر ولا يجتنب النواهي فاجتنبوه".

عباد الله، وورد في الحديث الصحيح عن الصحابي الجليل شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله))[1].

إن سيد المرسلين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يريد أن يجعلنا من الأكياس الفطناء، فليس الكيس الفطن من نسي الله تعالى واتبع هواه وأضله شيطانه، ولكن الكيس الفطن هو الذي يحاسب نفسه ويوقفها عند كل عمل من الأعمال، لكي يزكيها وينهرها، لأن النفس كالطفل، إن أدبتها وهذبتها صلحت واستقامت، وإن أهملتها وتركتها خابت وخسرت.

والنفس ـ يا عبد الله ـ في القرآن على أقسام ثلاثة: أولها: النفس اللوامة، تلك التي أقسم الله تبارك وتعالى بها في سورة القيامة في قوله عز وجل: لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ [القيامة:1، 2]، وهذه النفـس تارة تقبل على الله، وتارة تعرض، وتارة تذكر المولى عز وجل، وتـارة تغفل، وتارة تفرح، وتـارة تحزن، وتارة ترضى، وتـارة تغضب، فالمؤمـن ـ يا عباد الله ـ لا تراه إلا يلوم نفسه دائماً ويقول: "ما أردت بهذا؟ لم فعلت هذا؟".

ثانياً: النفس الأمّارة بالسوء، وهي التي ذمها الله تبارك وتعالى في سورة يوسف عليه الصلاة والسلام، في قوله عز وجل: وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى إِنَّ ٱلنَّفْسَ لامَّارَةٌ بِٱلسُّوء إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى [يوسف:53].

وتذكروا ـ أيها المؤمنون ـ أن الله تبارك وتعالى قد امتحن الإنسان بهاتين النفسين: الأمارة واللوامة.

والنفس الأمارة، الشيطانُ قرينها وصاحبها، وهو الذي يعِدها ويمنيها، ويأمرها بالسوء ويزينه لها، ويريها الباطل في صورة الحق، ويطيل الأمل أمامها، ويمدها بالشهوات المهلكة، ويستعين عليها بهواها، فينقلها من عز الطاعة إلى ذل المعصية، ومن السماع الرحماني إلى السماع الشيطاني، ومن الاستعداد لرب العالمين إلى الاستعداد للقاء إخوان الشياطين.

وأما النفس الثالثة: فهي النفس المطمئنة التي أكرم الله بها صاحبها، وهي التي ذكرها في أواخر سورة الفجر في قوله تبارك وتعالى: يأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِى إِلَىٰ رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَٱدْخُلِى فِى عِبَادِى وَٱدْخُلِى جَنَّتِى [الفجر:27-30]، هذه النفس التي أيدها الله تعالى بجنود عديدة، فجعل المَلَك قرينَها وصاحبها، وهو الذي يوجهها ويقذف فيها الحق، ويزجرها عن الباطل، ويمدها بما علمها من القرآن والذكر الحكيم وجميع أعمال الخير والبر، وحبب إليها الطاعات والعبادات.

أيها المؤمنون، يقول المولى تبارك وتعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18]، فقد دلت الآية الكريمة على وجوب محاسبة العبد لنفسه، يقول الإمام المفسر ابن كثير رحمه الله: "أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة، ليوم معادكم وعرضكم على ربكم".

 ثم تأملوا ـ يا عباد الله ـ في ختام هذه الآية، تأملوا ما جاء في ختام ذلك الأمر الإلهي، وهو قوله: إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، أي اعلموا أنه عامل بجميع أعمالكم وأحوالكم، ولا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير.

فانتبهوا ـ يا عباد الله ـ ولا تكونوا من الذين نسوا الله، فأنساهم أنفسهم، فقد كان أمير المؤمنين وخليفة المسلمين أبو بكر رضي الله عنه يقول في خطبته: (أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجَل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله عز وجل فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله عز وجل، إن قوماً جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم، أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم، وخلوا بالشقاوة أو السعادة، أين الجبارون الأولون الذين بنو المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآكام، هذا كتاب الله تبارك وتعالى لا تنقضي عجائبه، فاستضيئوا منه ليوم الظلمة، إن الله تبارك وتعالى قد أثنى على عبده ونبيه زكريا وأهل بيته، فقال تبارك وتعالى: إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خـٰشِعِينَ [الأنبياء:90]، فلا خير في قول لا يراد به وجه الله تعالى، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهلُه حِلمَه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم).

فلو تأملت أخي المسلم قول أمير المؤمنين في هذه الخطبة المباركة وحاسبت نفسك وطرحت عليه تلك الأسئلة، لفزت بالسعادة في الحياة الدنيوية والأخروية، فالفلاح والنجاح والصلاح لمن زكى نفسه بالطاعة، وطهرها من دنس الذنوب والمعاصي، طهرها من الغفلة، وأيقظها بالذكر والتوبة، قال تعالى بعدما أقسم بسبعة أشياء من مخلوقاته في سورة الشمس: قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا [الشمس:9]، وخسر وخاب من غفل عنها وأهملها.

عباد الله، رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها وفطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائداً.

 وتذكروا ـ عباد الله ـ أنه حق على العاقل أن لا يغفل عن أربعة ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو بها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها، فيما يحل ولا يحرم، فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات وإجماماً للقلوب.

عباد الله، توجهوا إلى الله تبارك وتعالى بالدعاء والتسليم، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. فيا فوز المستغفرين، استغفروا الله.


 


 

[1] رواه ابن ماجه في سننه(4259)، والترمذي في جامعه (2459)، وقال الألباني: ضعيف. انظر ضعيف ابن ماجه (4260).

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد الله ذي العز المجيد والبطش الشديد، المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، المنتقم ممن عصاه بالنار بعد الإنذار بها والوعيد، نحمده، وهو أهل للحمد والثناء والتمجيد، ونشكره على نعمه، وبالشكر تدوم وتزيد.

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا كفؤ ولا عدل ولا ضد ولا ند، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى التوحيد، الساعي بالنصح للقريب والبعيد، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين.

أما بعد: فيا عباد الله، إن ما جرى يوم الجمعة الماضي من قبل سلطات الاحتلال وإطلاقهم العيارات المطاطية وقنابل الصوت وقنابل الغاز على المصلين الراكعين الساجدين بين يدي الله تعالى في هذا المسجد المبارك أمر منكر، وفيه إعلان الحرب على الله، ونحن من هذا المكان الطاهر نستنكر هذه الجرائم، ونشكوهم إلى الله عز وجل، وتذكروا أن الله سوف ينتقم منهم، سوف ينتقم ممن يعتدي على بيوته وحرماته وعباده، فالمسجد الأقصى له حرمته عند الله تبارك وتعالى، وهو مكان مقدس عند المسلمين، وهو مكان لعبادة المسلمين وحدهم، ونحن نعلم علم اليقين أن أحداً من المسلمين لم يعتدِ على دور العبادة لأحد، وأن هذه الأفعال والجرائم ليس لها أي مبرر إلا أمر واحد، وهو الاعتداء على المقدسات الإسلامية، وبخاصة المسجد الأقصى المبارك.

وأنتم ـ أيها المؤمنون ـ فوتوا الفرصة عليهم، وكونوا على قدر تحمل المسؤولية تجاه هذا المكان الطاهر، كونوا الأمناء والأوفياء والحراس والسدنة له، وتذكروا أن الله تبارك وتعالى قد شرفكم بالرباط في هذه الديار المقدسة.

أيها المؤمنون، إن المأساة التي تعيشها أمتنا الإسلامية في شتى أنحاء العالم، مردُها الأساس غياب دولة الإسلام واستهتار قادة وحكام العرب بدستور الأمة، وركونهم إلى الغرب الحاقد لحل مشكلاتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية، ناسين أو متناسين أن نور الإسلام قد أضاء ظلمات الجهل التي كانت أوروبا غارقة فيها، ونسي حكام الأمة أن حضارة الإسلام كانت النبع الذي استقت منه شعوب الأرض جميعاً، و لما بعُدت الأمة عن منهج الله القويم أذاقها الله لباس الجوع والخوف، وتكالبت عليها قوى الشر والبغي والعدوان، تستبيح الأرض، وتنتهك الحرمات، وتستعبد الإنسان، وترتكب أبشع الجرائم والمجازر.

أيها المؤمنون، انظروا إلى واقع الأمة اليوم، ها هو شعبنا يذبح أمام وعلى مرأى ومسمع العالم أجمع، وتجد إسرائيل العون والدعم الدولي لتغطية عدوانها المتواصل، وممارساتها القمعية ضد شعبنا المسلم، لفرض سياسة التوسع ولانتزاع اعتراف شعبنا، بفرض الأمر الواقع.

أمريكا عدوة الاسلام والمسلمين تعتبرنا عقبة أمام ما يسمى خارطة الطريق، وتجاهلت عمليات التصفية الاغتيال وهدم المنازل وتقطيع أوصال الأرض الفلسطينية، كما أن استخدامها المتوقع لحق النقض (الفيتو) ضد قرار ما يسمى مجلس الأمن الدولي، الذي يمنع إسرائيل من طرد الرئيس الفلسطيني عن أرض الوطن يكشف بلا مواربة عمق التحالف الاستراتيجي بينها وبين إسرائيل، وهو بواقع الأمر وصمة عار ولطمة قاسية لكل المرتَمين في أحضانها، أما الدول الأوروبية فقد جمدت أموال الفلسطينيين، ووصفت الجماعات والحركات الإسلامية بالجماعات الإرهابية، استجابة للضغوط الأجنبية، حرب مبرمجة لضرب الإسلام والمسلمين في كل مكان.

إن الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، فالحصار الخانق واستمرار حملات الاغتيال وتعالي الأصوات هنا وهناك ضد إرادة شعبنا المسلم المرابط، إنما يقصد به حشرنا في زاوية المواجهة الذاتية والاقتتال الداخلي، بذريعة الخلاص من المعاناة والقضاء على ما يسمونه الإرهاب الفلسطيني.

فحذار ثم حذار ـ أيها المسلمون ـ من كل الأصوات والدعوات المشبوهة إلى تريد جرَّ شعبنا إلى الاقتتال الداخلي، إن الوحدة الإسلامية ورفض الوعود الأمريكية ورفض الضغوط الخارجية هي السبيل القوي لصمود شعبنا وإفشال مخططات أعدائنا، التي يراد بها الاستسلام من قبل شعبنا، في وقت تصم الدول العربية آذانها عن استغاثة شعبنا وعن نصرته ورفع الضيم والظلم عنه.

أيها المؤمنون، علينا أن نكون أمة صادقة تفتخر بدينها، وتتمسك بتعاليم نبيها، وعلينا أن لا نخضع للإملاءات والشروط الخارجية، وأن نكون فوق الأحداث، قادرين على حل مشكلاتنا، بعيداً عن المؤثرات الخارجية، وأن نفوت الفرص على أعدائنا، فنحرمهم من النيل من كرامتنا أو تدنيس مساجدنا أو ضرب شبابنا.

إن كرامتنا وعزتنا وقوتنا في ديننا، مهما تكالبت علينا قوى الشر والطغيان، علينا أن نكون أهلاً لهذا الرباط الذي خصنا الله تبارك وتعالى به، وصدق الله تبارك وتعالى وهو يقول: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200].