تاريخ الخطبة: 6 ذو الحجة 1423 وفق 7/2/2003م
عنوان الخطبة: وقفات مع حجة الوداع
الموضوع الرئيسي: العلم والدعوة والجهاد
الموضوع الفرعي: محاسن الشريعة
اسم الخطيب: عكرمة بن سعيد صبري
ملخص الخطبة
1-عبادة الله في عشر ذي الحجة. 2-اجتماع الحجيج في المشاعر. 3-مبادئ إسلامية في خطبة النبي صلى عليه وسلم في عرفات. 4-استمرار الإعداد للعدوان الصليبي على العراق.
الخطبة الأولى
أما
بعد، فيقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه:
وَذَكّرْ
فَإِنَّ ٱلذّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ
وَمَا
خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ
مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ
[الذاريات:55-58] صدق الله العظيم.
أيها المسلمون، أيها المصلون، هذه الآيات الكريمة من سورة الذاريات، وهي مكية، وفيها يطلب الله تبارك وتعالى من رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم أن يستمر في التذكير لمن تنفعه الذكرى ولمن لديه الاستعداد لقبول الإرشاد والوعظ والنصيحة والهداية، وأن الله عز وجل لم يخلق الجن والإنس إلا ليأمرهم ويكلفهم بعبادته، وذلك ليعرفوه وليشكروه، وليس لأنه سبحانه وتعالى محتاج للجن والإنس في تحصيل الأرزاق وإحضار الأطعمة.
الله
رب العالمين هو الرزاق ذو القوة المتين، ويقول عز وجل في سورة التوبة:
وَمَا
أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـٰهاً وٰحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ
سُبْحَـٰنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[التوبة:31]، ويقول في سورة البينة:
وَمَا أُمِرُواْ
إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُواْ
ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيّمَةِ
[البينة:5].
أيها
المسلمون، إن العبادة في الأيام العشرة الأوائل من شهر ذي الحجة لها ثواب عظيم وفضل
كبير، وقد أقسم الله عز وجل بها، لبيان فضلها ولتعظيم شأنها بقوله:
وَٱلْفَجْرِ
وَلَيالٍ عَشْرٍ
[الفجر:1، 2]، وأن زيادة الفضل في هذه الأيام تتمثل بوجود يوم عرفة، ووجود يوم عيد
الأضحى المبارك.
أيها المسلمون، إن العبادة في هذه الأيام ليست منحصرة في الحجيج، فقد هيأ الله عز وجل للمسلمين جميعاً أن يكسبوا الثواب تلو الثواب، وعليه فيستحب في هذه الأيام التنقل في الصلاة والتطوع في الصوم والمحافظة على صلة الرحم والتصدق على الفقراء والمحتاجين.
أيها المسلمون، لا تزال جموع الحجيج تتوافد على مكة المكرمة من كل فج عميق، ويكتمل اجتماعهم في اليوم الثامن من ذي الحجة ، اليوم المعروف بيوم التروية حيث كان العرب يتزودون بالماء فيه استعداداً للصعود إلى عرفة في اليوم التالي.
نعم أيها الإخوة، إن الملايين ستصعد على جبل عرفة في أكبر تجمع سنوي دوري بالعالم يوم الحج الأكبر، إنه يوم مبارك، يوم عظيم القدر، يوم المغفرة، يكفر الله فيه الذنوب ويضاعف فيه الحسنات لقول رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثاً غبراً ضاحين، جاءوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير يوم أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة))[1]. ومعنى ضاحين حالة كونهم واقفين على جبل عرفة من وقت الضحى، وهم بارزون للشمس دون غطاء.
أيها المسلمون، تعد وقفة عرفة أكبر تجمع سنوي دوري في العالم، لأن الحجيج جميعهم يقفون على جبل عرفة، في وقت واحد، وفي زي واحد، ملبين نداء واحداً: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
لذا ألقى رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم خطابه الشهير على جبل عرفة، وعُرف خطابه بخطبة الوداع الذي قال فيها: ((لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا))[2]، وذلك على مسامع آلاف الصحابة الكرام رضوان الله عليهم.
في هذا الموقف الإيماني الرائع شملت خطبته العديد من المبادئ الإسلامية العامة، وذكرتها كتب الصحاح والسنن والسيرة النبوية عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وكان ذلك في السنة العاشرة للهجرة، وخطابه عليه الصلاة والسلام ليس موجهاً للصحابة فحسب بل هو للأمة الإسلامية جمعاء.
أيها المسلمون، نشير بإيجاز إلى أبرز المبادئ التي تناولها الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع:
أولاً: أن الناس كلهم من آدم، وآدم من تراب، وأنهم سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، هذه القاعدة السامية التي أقرها الإسلام قبل خمسة عشر قرناً، فهل يوجد نظام في العالم يطبق هذه القاعدة؟ فماذا نشاهد في هذه الأيام؟ نشاهد التمييز العنصري، نشاهد الشعور القومي ، نشاهد الغطرسة والتجبر والتكبر من الدول الكبرى ضد الشعوب المستعمَرة والمستضعفة.
ثانياً: حرمة الدماء والأموال والأعراض وتحريم الخصومات والاقتتال بين المسلمين، فيقول عليه الصلاة والسلام: ((أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا))[3].
لقد شدد ديننا العظيم على حرمة سفك الدماء وعلى حرمة غصب الأموال وسرقتها، سواء كانت أموالاً عامة أم أموالاً خاصة، فكيف يرضى المسلم على نفسه أن يحارب إلى جانب الكافر المعتدي ليقتل أخاه المسلم ويسفك دماءه؟! إن هذا لأمر عجيب!
أيها المسلمون، من المبادئ التي تضمنتها خطبة الوداع أيضاً:
ثالثاً: تحريم الأخذ بالثأر، لأن الدولة أي دولة هي الملزمة بالحفاظ على النظام العام وحماية الأرواح للمواطنين، وهي الملزمة أيضاً بإقامة عقوبة القصاص على القاتل العمد، فلا يجوز الأخذ بالثأر.
رابعاً: تحريم الربا بمختلف صوره وأشكاله، فأحل الله البيع وسائر المعاملات
المشروعة، وحرم الربا وكان آخر الآيات نزولاً من القرآن الكريم الآيات التي تتعلق
بتحريم الربا، فيقول الله عز وجل:
ٱلَّذِينَ
يَأْكُلُونَ ٱلرّبَوٰاْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ
ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ
ٱلرّبَوٰاْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرّبَوٰاْ
[البقرة:275].
خامساً: الاعتصام بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فالاعتصام بهما هو منجاتنا، وهو سبيل خلاصنا.
سادساً: وجوب العناية بالنساء، والأمر بالمحافظة على حقوقهن، وديننا الإسلامي العظيم هو أول من أعطى المرأة حقوقها.
أيها
المسلمون، لا يصلح المجتمع - أي مجتمع - بسفك الدماء وبالخلافات والتناقضات، وإنما
تصلح الأمة بعقيدة الإسلام، بعقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبحقن الدماء،
وبالإحسان والتودد فيما بين الناس، رجالاً ونساء، وأن يتعاملوا على ضوء الأحكام
الشرعية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لقوله سبحانه وتعالى
مخاطباً نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم:
فَبِمَا رَحْمَةٍ
مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ
مِنْ حَوْلِكَ
[آل عمران:159]، وطلب عز وجل من موسى وأخيه هارون عليهما السلام أن يخاطبوا فرعون
خطاباً ليناً بقوله:
فَقُولاَ لَهُ
قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ
[طه:44]، فإذا كان الخطاب إلى فرعون خطاباً ليناً، فكيف يكون خطاب المسلمين بعضهم
لبعض.
أيها
المسلمون، لقد وصف القرآن الكريم النبي محمداً عليهم الصلاة والسلام وأصحابه الكرام
رضوان الله عليهم بأنهم متراحمون فيما بينهم، أشداء على أعدائهم، بقوله سبحانه
وتعالى:
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ
ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ
تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَاناً
سِيمَـٰهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ ٱلسُّجُودِ
[الفتح:29]، هكذا يجب أن يكون المسلمون فيما بينهم في كل زمان ومكان، وهذه هي طريقة
رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم فلا يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أولها.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعونه، اللهم احقن دماء المسلمين ووفقهم للنصر المبين.
ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فيا فوز المستغفرين.
[1] رواه ابن حبان في صحيحه (2840) من حديث جابر، وقد ضعفه الألباني ، وذكره في السلسلة الضعيفة (738).
[2] صحيح، رواه الدارمي في سننه من حديث جبير بن مطعم (227)، ونحوه عند الترمذي (866)، والنسائي (3062)، وابن ماجه (3023)، وأحمد (14529)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (2449).
[3] رواه أحمد من حديث أبي غادية الجهني (16258)
الخطبة الثانية
نحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، صلاة وسلاماً دائمين عليه إلى يوم الدين.
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أيها المسلمون، أيها المصلون، قبل البدء بموضوع الخطبة الثانية هناك بعض الأحكام والملاحظات الفقهية لا بد من الإشارة إليها وبإيجاز:
أولاً: بشأن المرور بين يدي المصلي، فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن المرور بين يدي المصلي، وعليه نلفت نظر المصلين أن يراعوا ذلك بأن يلتفت المسلم خلف المصلي، حتى لا يقطع صلاة أخيه . ونرجو من الإخوة المسافرين الذين يرغبون في الجمع والقصر أن يتريثوا قليلاً حتى يتمكن المقيمون من صلاة السنة البعدية.
ثانياً: بشأن صوم يوم عرفة، يستحب الصوم يوم عرفة ، ونحث أنفسنا ونحثكم على الصوم في هذا اليوم المبارك.
ثالثاً: بشأن موعد صلاة عيد الأضحى المبارك ستقام صلاة عيد الأضحى المبارك في المسجد الأقصى المبارك الساعة السابعة صباحاً .
رابعاً: بشأن التكبيرات أيام العيد تبدأ التكبيرات من فجر يوم عرفة، وتستمر حتى وقت المغرب من اليوم الرابع للعيد .
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، إن الحدث الساخن والذي يزداد سخونة وغلياناً ما يتعلق بالعدوان الأمريكي البريطاني على العراق، وخطاب وزير الخارجية الأمريكي قبل يومين يشير إلى أن الحرب ستكون خلال أيام وليس خلال أسابيع للدلالة على قرب العدوان الآثم، ومن المؤلم أن بعض الدول العربية طلبت من أمريكا تأجيل حرب إلى ما بعد عيد الأضحى وأن لا تكون الحرب قبل موسم الحج، وهذا يفهم ضمناً أن بعض الحكام العرب موافقون على الحرب من حيث المبدأ، ولكن كان مطلبهم منحصراً من حيث التوقيت.
أيها المسلمون، في الوقت الذي يضحي المسلمون في أيام العيد بالأضاحي والخراف، فإن أمريكا تريد أن تذبح المسلمين أيام العيد في العراق، وكأنها تضحي بهم لتنفيذ مخططاتهم العدوانية الإجرامية الإرهابية اللا إنسانية.
أيها المسلمون، يا إخوة الإيمان في كل مكان، لم يمر على الأمة الإسلامية وضع مأساوي
إذلالي كما يمر في هذه الأيام، فالضحية قد استسلمت للذبح، ولكن الاختلاف بالتوقيت،
ونعلنها صريحة من على منبر المسجد الأقصى المبارك: لا للحرب المجرمة، لا للعدوان
الظالم، وعلى الأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين، وعلى المسلمين في العالم أن يقفوا
صفاً واحداً لمنع وقوع الكارثة المدمرة للبلاد والعباد، والله سبحانه وتعالى رب
العالمين رب الخلائق سيسأل كل إنسان يوم القيامة عن تصرفاته وعن مؤامراته
وَمَا ٱلنَّصْرُ
إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ
[آل عمران:126]، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.